محمد متولي الشعراوي

1499

تفسير الشعراوى

يتناوبون حراسته ، ومعنى تناوب الحراس أنهم أرادوا أن يكونوا المصد للأخطار يتداولون ذلك فيما بينهم . وأراد الحق سبحانه أن يهاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة خفية ، ونام علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه وأرضاه مكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . لقد أراد على - كرم اللّه وجهه - أن يكون هو المصد ، فإذا جاء خطر فإنه هو الذي يصده . لاشك أنه كان يفعل ذلك لأنه واثق أن بقاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم خير للإسلام حتى ولو افتداه بروحه . هذا هو التسامى العالي من صحابة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . كان الواحد منهم يحب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لأن الأسوة بالرسول واتباع دين اللّه إنّما يعود ذلك عليه بالخير العميم . وعندما يموت واحد منهم في سبيل المحافظة على من أرسله اللّه رسولا ليبلغ دعوته فقد نال الشهادة في سبيل اللّه . هذا هو أبو بكر الصديق رضوان اللّه عليه مع رسول اللّه في الغار . ألم يجد الصديق شقوقا فيمزع من ثيابه ليسد الشقوق ؟ ألم يضع قدمه في شق لأنه يخشى أن تجىء حشرة من الحشرات قد تؤذى حضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ لقد أراد أن يحافظ على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حتى ولو افتداه ، وهذه شهادة بأن صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم آمنوا بأن بقاء الرسول خير لهم وللإيمان ولنفوسهم من بقائهم هم أنفسهم . وهكذا أراد اللّه نصرة رسوله على الكفار ، عندما مكروا وبيتوا أن يقتلوه قبل الهجرة ، وهكذا أراد اللّه نصر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بعد الهجرة عندما واجه أعداء الإسلام في القتال ، لقد مكروا ، ولكن اللّه خير الماكرين . وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول بهذا النصر من اللّه : لن تستطيعوا أن تقاوموا محمدا لا بالمواجهة ولا بالتبييت . وها هوذا تابع من أتباعه صلّى اللّه عليه وسلّم هو سيدنا عمر رضى اللّه عنه يهاجر علنا ، ويقول : من أراد أن تثكله أمه ، أو ترمل زوجته ، أو ييتم ولده ، فليلقنى وراء هذا الوادي . بينما هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خفية .